الشيخ محمد رضا مهدوي كني

72

البداية في الأخلاق العملية

عن تناول الأطعمة المشبوهة ، وتجنب النظرات المثيرة ، حيث قال الشاعر « كلّ ما يراه البصر يتذكّره القلب ويريده » . فأولئك الذين يسعون لتحقيق النجاح في وادي السلوك ، ينبغي لهم تجنب الأعمال غير المشروعة والابتعاد عن أصدقاء السوء ، مع رعاية كافة الحدود والتعاليم الاسلامية خلال ممارسة الأعمال المشروعة ، ومراعاة الحد الأعلى من الاحتياط والحذر في الأموال العامة وبيت المال . ولو كان أحدنا موظفا حكوميا أو يزاول مهنة يخدم من خلالها الآخرين ، فينبغي عليه عدم التلكؤ في انجاز الاعمال التي لا بد له من انجازها ، وأن يبذل قصارى جهده لخدمة الناس ، لا سيما المستضعفين والمحرومين . والأولى به ان يعمل بما هو أكثر من الساعات المقررة ، مراعاة للاحتياط وتفاديا لبعض الساعات الضائعة . وعلى أصحاب المناصب والمهام الكبيرة الحساسة ، ان يكونوا أكثر احتياطا وحذرا من غيرهم وبما ينسجم مع حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقهم . وقد يكون الاشتباه في الجهة والقصد لا في العمل ذاته كما في قضية عثمان بن حنيف حيث انّ الدعوة والمأكولات المعدة لم تكن حراما ومشبوهة ولكن كانت الضيافة والدعوة إليها وكيفية المأدبة مشبوهة ومزيفة « 1 » . ومما يبعث على الأسف هو أن نشاهد عدم الاهتمام بهذا الأمر وعدم الاكتراث به . فما أكثر المتحمسين في الشعار ، إلّا انهم غير ملتزمين على صعيد العمل ، وغير مراعين لحدود التقوى ، لا سيما في مجال البطن والفرج ، إذ قلّما يسيطرون على

--> ( 1 ) ما أروع كتاب الإمام علي ( ع ) إلى عامله على البصرة عثمان بن حنيف بهذا الشأن : « أما بعد يا ابن حنيف فقد بلغني أن رجلا من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة فأسرعت إليها تستطاب لك الألوان وتنقل إليك الجفان وما ظننت أنك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفوّ وغنيّهم مدعوّ ، فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقضم ، فما اشتبه عليك علمه فالفظه وما أيقنت بطيب وجهه فنل منه ، ألا وانّ لكلّ مأموم اماما يقتدي به ويستضيء بنور علمه ، ألا وانّ امامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ومن طعمه بقرصيه ، ألا وانكم لا تقدرون على ذلك ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد » ( ك 45 ) .